الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

72

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أَحاطَ بِالنَّاسِ في سورة الإسراء [ 60 ] . والمعنى : أتلف ماله كله بأن أرسل على الجنة والزرع حسبان من السماء فأصبحت صعيدا زلقا وهلكت أنعامه وسلبت أمواله ، أو خسف بها بزلزال أو نحوه . وتقدم اختلاف القراء في لفظ ثَمَرٌ آنفا عند قوله تعالى : وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ [ الكهف : 34 ] . وتقليب الكفين : حركة يفعلها المتحسر ، وذلك أن يقلبهما إلى أعلى ثم إلى قبالته تحسرا على ما صرفه من المال في إحداث تلك الجنة . فهو كناية عن التحسر ، ومثله قولهم : قرع السن من ندم ، وقوله تعالى : عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [ آل عمران : 119 ] . والخاوية : الخالية ، أي وهي خالية من الشجر والزرع ، والعروش : السقف . و ( على ) للاستعلاء . وجملة عَلى عُرُوشِها في موضع الحال من ضمير خاوِيَةٌ . وهذا التركيب أرسله القرآن مثلا للخراب التام الذي هو سقوط سقوف البناء وجدرانه . وتقدم في قوله تعالى : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها في سورة البقرة [ 259 ] ، على أن الضمير مراد به جدران القرية بقرينة مقابلته بعروشها ، إذ القرية هي المنازل المركبة من جدران وسقف ، ثم جعل ذلك مثلا لكل هلاك تام لا تبقى معه بقية من الشيء الهالك . وجملة وَيَقُولُ حكاية لتندمه على ما فرط منه حين لا ينفعه الندم بعد حلول العذاب . والمضارع للدلالة على تكرر ذلك القول منه . وحرف النداء مستعمل في التلهف . و ( ليتني ) تمن مراد به التندم . وأصل قولهم ( يا ليتني ) أنه تنزيل للكلمة منزلة من يعقل ، كأنه يخاطب كلمة ( ليت ) يقول : احضري فهذا أوانك ، ومثله قوله تعالى : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ سورة الزمر [ 56 ] . وهذا ندم على الإشراك فيما مضى وهو يؤذن بأنه آمن باللّه وحده حينئذ . وقوله : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ موعظة وتنبيه على جزاء قوله :